فخر الدين الرازي
307
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يحتمل أمرين أيضا أحدهما : وحيدا إلى ضعفه وثانيهما : واحدا أي هو من الآحاد لا من الأكابر المشهورين ، وتحقيق القول في استعمال الآحاد في الأصاغر حيث يقال : هو من آحاد الناس هو أن من لا يكون مشهودا بحسب ولا نسب إذا حدث عنه / من لا يعرفه فلا يمكن أن يقول عنه قال فلان أو ابن فلان فيقول قال واحد وفعل واحد فيكون ذلك غاية الخمول ، لأن الأرذل لا ينضم إليه أحد فيبقى في أكثر أوقاته واحدا فيقال : للأرذال آحاد . وقوله تعالى عنهم : إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يحتمل وجهين أحدهما : أن يكونوا قد قالوا في جواب من يقول لهم إن لم تتبعوه تكونوا في ضلال ، فيقولون له : لا بل إن تبعناه نكون في ضلال ثانيهما : أن يكون ذلك ترتيبا على ما مضى أي حاله ما ذكرنا من الضعف والوحدة فإن اتبعناه نكون في ضلال وسعر أي جنون على هذا الوجه ، فإن قلنا : إن ذلك قالوه على سبيل الجواب فيكون القائل قال لهم : إن لم تتبعوه فإنا إذا في الحال في ضلال وفي سعر في العقبى فقالوا : لا بل لو اتبعناه فإنا إذا في الحال في ضلال وفي سعر من الذل والعبودية مجازا فإنهم ما كانوا يعترفون بالسعير . المسألة الثالثة : السعير في الآخرة واحد فكيف جمع ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه أحدها : في جهنم دركات يحتمل أن تكون كل واحدة سعيرا أو فيها سعير ثانيها : لدوام العذاب عليهم فإنه كلما نضجت جلودهم يبدلهم جلودا كأنهم في كل زمان في سعير آخر وعذاب آخر ثالثها : لسعة السعير الواحد كأنها سعر يقال للرجل الواحد : فلان ليس برجل واحد بل هو رجال . ثم قال تعالى عنهم : [ سورة القمر ( 54 ) : آية 25 ] أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ( 25 ) وقد تقدم أن النفي بطريق الاستفهام أبلغ لأن من قال : ما أنزل عليه الذكر ربما يعلم أو يظن أو يتوهم أن السامع يكذبه فيه فإذا ذكر بطريق الاستفهام يكون معناه أن السامع يجيبني بقوله : ما أنزل فيجعل الأمر حينئذ منفيا ظاهرا لا يخفى على أحد بل كل أحد يقول : ما أنزل ، والذكر الرسالة أو الكتاب إن كان ويحتمل أن يراد به ما يذكره من اللّه تعالى كما يقال الحق ويراد به ما يحل من اللّه وفيه مسائل : المسألة الأولى : قولهم أألقي بدل أأنزل وفيه إشارة إلى ما كانوا ينكرونه من طريق المبالغة وذلك لأن الإلقاء إنزال بسرعة والنبي كان يقول : « جاءني الوحي مع الملك في لحظة يسيرة » فكأنهم قالوا : الملك جسم والسماء بعيدة فكيف ينزل في لحظة فقالوا : أألقي وما قالوا : أأنزل ، وقولهم عليه إنكار آخر كأنهم قالوا : ما ألقى ذكر أصلا ، قالوا : إن ألقى فلا يكون عليه من بيننا وفينا من هو فوقه في الشرف والذكاء ، وقولهم أألقي بدل عن قولهم أألقي اللّه للإشارة إلى أن الإلقاء من السماء غير ممكن فضلا عن أن يكون من اللّه تعالى . المسألة الثانية : عرفوا الذكر ولم يقولوا : أألقي عليه ذكر ، وذلك لأن اللّه تعالى حكى إنكارهم / لما لا ينبغي أن ينكر فقال : أنكروا الذكر الظاهر المبين الذي لا ينبغي أن ينكر فهو كقول القائل : أنكروا المعلوم . المسألة الثالثة : ( بل ) يستدعي أمرا مضروبا عنه سابقا فما ذاك ؟ نقول قولهم : أألقي للإنكار فهم قالوا : ما أألقي ، ثم إن قولهم : أألقي عليه الذكر لا يقتضي إلا أنه ليس بنبي ، ثم قالوا : بل هو ليس بصادق . المسألة الرابعة : الْكَذَّابُ فعال من فاعل للمبالغة أو يقال : بل من فاعل كخياط وتمار ؟ نقول : الأول